الحارث المحاسبي

35

المسائل

والسهو على ضربين : فسهو أداه إليه حديث النفس متعمدا ، وسهو قد صار إليه بجعل الغير بغير تعمد ، فملوم على السهو الذي أداه إليه التعمد ، وموضوع عنه ما لم يتعمد . وأما ما كان من خواطر الشيطان فإنه عنه موضوع ، ما لم يكن له متبوع ، فإن هو إليه أصغى ، ومال إليه بالهوى ، فعليه بسرعة الرجوع ، ولا يكون بالعبد به ولوع . قلت : ما الفرق بين ما كان من الشيطان من الوسوسة ، وبين حديث الإنسان نفسه ؟ قال : يبين الفرق في ذلك لأهل اللبّ ، ويخفى على أهل الغفلة . وذلك أنّ حديث النفس سهل ، ويراد برويّة وإرادة ومخاطبة ، وبقصد وتفقّد ، وكل ذلك يكون من النفس ، ولا يكون منها على غير هذه الوجوه . وما كان من الشيطان فبإلقائه ، ليس من النفس شيء من صفاته ، فإذا تعاهد العبد هذا تبين له ما قصد له ، مما ألقي إليه . قلت : قد يكون من الإنسان الشيء ثم ينساه ، ويكون من الشيطان الشيء ، ثم ينسى ما ألقاه ، ثم يتذكرهما ، ولا يتذكر ابتداءهما وإلقاءهما ، فبم يفصل بينهما ؟ قال : قد يلقي الشيطان ضروبا من العصيان . فمنه ما يألفه العبد ، ومنه ما تحلّ به الوحشة عند الإلقاء به ، ومنه ما هو من عادته . فإذا تذكر ما حدث به من الشيء ، ثم لم يتذكر أمنه كان أو من عدوه ، فإنه ينظر ، فإن كان مما يألفه فيما مضى ، أولا يذكر أنه في بعض حالاته استحلاه . فإن كان مما لم يذكر من نفسه فيه هوى علم أنه من الإلقاء ، فإذا كان مما لا يأمن أنه من النفس فيه سكون فإنه لا يخفف عليها فيه ، لأنه لا يدري لعله في تلك الحال التي ذكر فيها هذا الشيء قد كان مما لا ينتحله . فإذا أشكل عليه فلم يدر أمنه كان أو من عدوه ، فليكره من ذلك ما كان ، فإنه إن كان قبل عنه فقد برئ الشيطان منه ، وإن كان لم يقبله كان قد أخذ بالحزم ، ورجع اللعين بالخسران . قلت : فما الذي ينقص الصلاة مما لا ينقصها ؟ قال : أما الذي ينقص الصلاة فترك حدودها حتى يخرج منها ، من التكبير الأول ، والركوع والسجود ، والقراءة .